الجاحظ

264

رسائل الجاحظ

التعزير والتأديب ، ثم يحتجون أنهم إنما قالوا ذلك لأن أم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم تكن مسلمة . فسبحان اللّه العظيم ! ما أعجب هذا القول وأبين انتشاره ! ومن حكم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أن لا يساوونا في المجلس ومن قوله : « وإن سبوكم فاضربوهم ، وإن ضربوكم فاقتلوهم » . وهم إذا قذفوا أم النبي عليه السلام بالفاحشة لم يكن له عند أمته إلا التعزير والتأديب . وزعموا أن افتراءهم على النبي ليس بنكث للعهد ، ولا بنقض للعقد . وقد أمر النبي عليه السلام أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا منهم ، وعقدنا لذمتهم ، دون إراقة دمهم . وقد حكم اللّه تعالى عليهم بالذلة والمسكنة . أو ما ينبغي للجاهل أن يعلم أن الأئمة الراشدين ، والسلف المتقدمين لم يشترطوا عند أخذ الجزية ، وعقد الذمة عدم الافتراء على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته ، إلا لأن ذلك عندهم أعظم في العيون ، وأجل في الصدور من أن يحتاجوا إلى تخليده في الكتب ، وإلى إظهار ذكره بالشرط ، وإلى تثبيته بالبينات ، بل لو فعلوا ذلك لكان فيه الوهن عليهم ، والمطمعة فيهم ، ولظنوا أنهم في القدر الذي يحتاج فيه إلى هذا وشبهه . وإنما يتواثق الناس في شروطهم ، ويفسرون في عهودهم ما يمكن فيه الشبهة ، أو يقع فيه الغلط ، أو يغبى عنه الحاكم ، وينساه الشاهد ، ويتعلق به الخصم ، فأما الواضح الجلي ، والظاهر الذي لا يخيل فما وجه اشتراطه ، والتشاغل بذكره . وأما ما احتاجوا إلى ذكره في الشروط ، وكان مما يجوز أن يظهر في العهد فقد فعلوه ، وهو كالذلة والصغارة ، وإعطاء الجزية ، ومقاسمة الكنائس ، وأن لا يعينوا بعض المسلمين على بعض ، وأشباه ذلك . فأما أن يقولوا لمن هو أذل من الذليل ، وأقل من القليل ، وهو الطالب الراغب في أخذ فديته ، والإنعام عليه